السيد محمد تقي المدرسي

191

من هدى القرآن

مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ جاء هذا التعبير إشارة إلى التفخيم ، والمراد بيان ما يتميزون به من أصحاب الشمال من الثواب العظيم . [ 9 ] وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ قالوا : [ العرب تسمي الشمال شؤما ، لأنهم يعتبرونه نحساً ] ، ويقولون : [ قعد فلان شأمه ( شمالا ) ، ويا فلان شائم بأصحابك ( تياسر بهم ) كما يسمون اليد اليسرى الشؤمى ] . فالمراد إذن بأصحاب المشأمة أولئك الذين يؤتون كتابهم بشمالهم ، ليكون ذلك علامة على أنهم من أصحاب النار ، وقيل : إن المعنى أصحاب الشؤم والنحس . مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ وهذا التهويل يدل على ما أُعد لهم من عذاب شديد ، ولعل الحكمة من التهويل هنا وهناك هو الفصل بين الفريقين فصلًا نهائيًّا بالرغم من اختلاطهم في الدنيا ، فقد يكون الولد من هؤلاء ، والوالد من أولئك ، ولكنهما لن يشتركا في مصير الآخرة ، وإنما بينهما مسافة أبعد مما بين الأرض والسماء . ويبدو من آيات قرآنية عديدة أنها تهدف تعميق الفصل بين أهل الصلاح والفساد ؛ لأنه إذا لم يعرف الفصل كان من الطبيعي سقوط الإنسان في وهدة الفساد ؛ لما فيه من جاذبية مادية ، ولأن ذلك السقوط لا يحتاج إلى قرار ؛ وإنما يتم عادة في غيبة من صاحبه ، وبسبب انعدام الحذر عنده . [ 10 ] وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ الذين يسارعون في الخيرات ، ويبادرون للاستجابة للحق أنى دُعُوا إليه ، متجاوزين عقبة التوافق الاجتماعي بقوة الإرادة ، وبصيرة الإيمان . لقد كان حبيب النجار سابقا ، كما كان حزقيل من السابقين ، أما سيد السابقين فقد كان الإمام علي عليه السلام الذي سبق الرجال في الإيمان بالإسلام . ولنا أن نتصور ملامح السابقين الشخصية ، وتحديهم لظروفهم وتعرضهم للآلام والضغوط الهائلة ، كل ذلك من خلال نظرة إلى سيرة هذه القدوات الثلاث ، لقد تجاوزوا أولًا : عقبة التردد والشك بقوة العقل ، ومضاء التفكير ، فلم يرتابوا في الحقيقة بمجرد غفلة الناس عنها ، ولم يأبهوا بالرأي العام الذي خالف الحق وناهضه ، ولم تساورهم الظنون في الداعي إلى الحق بسبب الإعلام المضلل ، أو الدعايات الكاذبة . كانوا كما الجبل الأشم ، يتحدون أعاصير التهم والافتراءات . إن ثقة الإنسان بعقله واعتداده بشخصيته الداخلية ، ويقينه بالحق ، وعزيمته في الانتماء إليه والدفاع عنه ، وإيمانه بحتمية انتصاره ، إن كل ذلك مكونات شخصية السابق . وبعد تجاوز شكوك النفس ، ووساوس الشيطان ، والالتحاق بالحق يواجه السابق عناد المجتمع ، وتصلبه في الباطل ، مما يجعله وجها لوجه مع ضغوط هائلة ، ابتداءً من الافتراء